لا تهتم [1]

 

 

 alt



اذكر في طفولتي أنني لم أكن أهتم لمتابعة السياسة ، ولا يعني هذا إنني ألان مهوس بمتابعتها ، ولكثير ما كنت أتضايق إذا أتى احدهم وطلب مني جهاز الرايموت ليقلب إلى تلك القنوات التي تفوح منها الخيانة والغدر والقتل والخوف والكيد والعار .

فعشت طفولتي أتابع قسرا أخبار الموت ، فمجازر فلسطين ، واستباحة الأقصى ،واغتيال شيخ المجاهدين احمد ياسين ، وتلميذه الرنتيسي ، ويحيى عياش ، واحتلال أفغانستان ، ثم العراق ، ثم بعدها قصف بيروت ، فإعدام صدام ، فاقتتال الاخوة الفلسطينين من حماس وفتح ، واقتتال الاخوة في الصومال ، ثم بوادر انفصال في اليمن ، فظهور وثائق ويكليسكس ، فانفجار الثورات العربية ، ثم ظهور الفتنة السنية الشعيه في البحرين ، مسلسل دموي لا ينتهي وكأن سكان الشرق الأوسط لا يستطيعون النوم إلا بعد أن يسمعوا مجزره أو كارثة أو اغتيال أو اقتتال .

تعودت وتعود أذني على سماع الكوارث ، حتى أنني لا يهدأ لي بال إلا بعد أن اسمع أمرا مثيرا ، مؤسفا ، محزنا ، واجزم أني لست الوحيد في كوكبي هذا ، فهناك أخوة لي تطربهم تلك الأخبار ، بل ويستأنسون بها .

أثناء متابعتي لمباريات الكروية ، من مسابقة أبطال أوروبا ، أو الدوري الاسباني ، وعند مشاهدتي لملاعبهم المزدانة بالخضرة ، وعند رؤيتي الكم الهائل من الأنفاس ، والأجساد ، والعقول الحاضرة في ذلك الملعب ، والتي أتت من كل فج عميق لهدف واحد وهو تشجيع ناديهم ، اشعر بغصة قاتله ،فأتمنى أن لو كنا مثلهم ، مستمتعين بأوقاتنا ، منسجمين ، متشابكين ، مختلطين ، مبتسمين ، عندها يتولد لدي الكثيرمن الأسئلة ، فأبدأ أتساءل كالعادة :

لماذا نحن لا نريد أن نتعايش بسلام ...؟

الم يقل جل شأنه " لكم دينكم ولي دين " فلماذا التناحر بسبب اختلاف الأفكار والاعتقادات ...؟

تلك الأسئلة لم أجد لها أجوبة حتى ألان ، ولا زلت أبحث لها أجوبة .

وهذه الحالة من الثوران والغضب ، والحيرة ، والضياع ، والألم تتكرر في كل مشاهدة أشاهد فيها مباراة ، حتى أنني حاولت مرة مقاسمة همومي مع الآخرين ، فأتجه إلى أقرب مشاهد ومشجع ، فقلت له :

- لماذا ..؟

في بادي الأمر لم يفهم سبب ذلك الاستفهام ، فقال لي : عن ماذا تتحدث ، فبدأت أتكلم دون وعي ، عندها قال لي زميل التشجيع :

- يا رجل ، خلنا نتابع المباراة ، واترك عنك الخرابيط والهلوسة ، ترى نحن العرب استحالة نكون مثلهم ...!

قال عن كلامي هلوسة ، وكأنه محتوم علينا أن نعيش طول حياتنا على ذلك المنوال ، والأغرب من هذا هو انه محطم كليا ، فلا يؤمن أن نسير مثلهم وأحسن ، ولا يعتقد أن هناك في الوطن العربي بوادر ومؤشرات تشير على التقدم والازدهار .

كل تلك النكسات والضياع ، وانعدام الأمل ، وبحث السعادة في غير أماكنها قد اعتبرها أمر طبيعيا في عالمي ، ولكن بعد استشهاد بن لادن ، ورؤيتي لأغلب العالم العربي والدول الإسلامية ناهيك عن الغرب تحتفل ، بل تسمي الأمر على أنه انجاز غير مسبوق ، عندها علمت صدق قول زميل التشجيع الرياضي ، فنحن فعلا ليس في عالمنا العربي بوادر تشير انه في المستقبل القريب سينكون عندنا ازدهار وتقدم ، كون الازدهار والتقدم لا يأتي إلا من الفكر ، فكلما كانت الأفكار نيره ومتقبلة للطرف الأخر كلما كان هناك تقدم وازدهار .

فهناك دول كثيرة كأمثال اليمن وغيرها أعربوا عن ارتياحهم لمقتل أسامة بن لادن ، وفي فلسطين مربط الجهاد ومنبع الرجال أشاده سلطتها التي قيل عنها السلطة الفلسطينية ارتياحهم لمقتل بن لادن ، بل اضافة قائلة : " مقتل بن لادن يفيد عملية السلام " أي سلام تعنيه تلك السلطة ..؟

أي سلام ، واليهود كل ثانية يبرهنون أننا مسلمون بالاسم ، وانه ليس هناك ما يسمى حقوق الإنسان ، لكل من يلهث وراء ذلك السراب الذي لا زال البعض يحب أن يؤكد وجوده .

ولم يقف الأمر على ذلك ، حتى ربط الاقتصاد بمقتل بن لادن ، وهناك مقالات كثيرة ظهرت بلمحة البصر تفيد انه سيكون ازدهار اقتصادي اثر مقتل بن لادن ، وكأن بن لادن هو الذي كان يعيق ذلك الازهادر .

ولكن هناك خبرين استوقفني كثيرا ، الخبر الأول يقول :

" دفن أسامة بن لادن في البحر لصعوبة إقناع دولة باستقبال جثته "هذا الخبر وقع علي كالصاعقة ،كثيرا ما أغضبني هذا الخبر ، حتى أنني خفت من فقدان العقل ، كيف يعقل أن لا تكون هناك دولة عربية أو إسلامية تستقبل جثة بن لادن ؟

ولماذا كل ذلك التخوف ، الرجل مات ، فما الخوف من استقبال جثة ودفنه في أرضه وارض أجداده ، اليس إنسانا ، أين تلك الاداعات التي قيل عنها " حقوق الإنسان " ؟

اليس ابن لادن إنسانا ، وان لم توافق أفكاره أفكار الآخرين ...؟

أما الخبر الثاني فيقول : " قال المتحدث باسم الإخوان المسلمين في مصر عصام العريان لرويترز إنه بمقتل بن لادن أزيل أحد أسباب ممارسة العنف في العالم "

سبحان الله ، هل ارتبط بن لادن بكل عنف في العالم ، ماذا تسمون يا عقلاء العقل تلك الانتهاكات التي تنتهكها إسرائيل كل ثانية ؟

ماذا تسمون القتل الذي يحدث كل دقيقه في العراق وأفغانستان وغيرها بيد أمريكا وأعوانه ؟

هل هناك وصفا لكل قتل وظلم وانتهاك نراه في الوطن العربي بيد أعوان وحاشية أصنام العرب ، أسف اقصد حكام العرب ...؟

عزيزي القاري ، سامحني لأني أدخلتك في دوامة قد لا تستطيع أن تخرج منها ، البعض قد لا يهتم كل تلك الأمور ، بل ويطلب مني أن لا اهتم ، إلا أنني سأهتم كون تلك القضايا من أمور ديني وعالمي ، لهذا إن كنت ترى إن الأمر لا يستحق الاهتمام لا تهتم .













 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل