انه لا يَـسْـرِق

 

 

alt



أراد ان يكون مثل ذلك الانسان الذي يتقن صناعة الحرف ، وترميم الكلمات ، وخلق العبارات والجمل حتى تصير كالسهم الذي ينفذ الى القلوب قبل العقول ، ولانه يحب الاضواء ، والمديح والثناء ، او ورث من أجداده الفخر، أراد ان يكون له ما لذلك القلم الذي طالما أعجب به بسبب إتقانة لفن الكتابة .

فأشترى قلما ومفكرة ، ثم اختلى بنفسه ، وابتعد عن الانظار كي تتلبسه الافكار ، او هكذا توهم ان الكتاب والمفكرين يفعلون ذلك ، وعندما أراد الكتابة ، لم يستطع ، كون التعبير والبوح يحتاج الى تغذية راجعه ، وقراءة مستمره ، فظل يحاول ، ويحاول ، الا ان تمكن به الضجر والملل فأوقع قلمه ومفكرته ارضا ، واغتال أصراره بأن يحضى بالاضواء والمديح ويصبح كاتبا مرموقا يشار له بالبنان .

تعقد عن الكتابة ، وأصبح مصابا بأفضع الامراض النفسيه ، التي تحوله عن دون ذلك ، وفي أخر المطاف آمن أنه لن يستطيع ان يصبح كاتبا ، ولكن ما الجدوى ، فهو مهوس ٌ بالمديح ، ويعشق الاطراء ، وعبارات الثناء ، ويحب كثيرا ان يتواجد في دائرة الاضواء .

وعندما أغلقت الابواب على وجهه ، واسودت الدنيا في عينيه ، فكر كثيرا ، وكثيرا ، فأهتدى في أخر المطاف أن يسرق نصوصا من الكتب والمجلات ، والصحف العربية التي لا يقرأها أكثر الناس في ظل انفتاح عجيب على المواقع الالكترونيه ، والتي أصبحت او تكاد تصبح بديلا عن الكتب .


وبدأ ينشر تلك المقالات ، والنصوص الادبيه بأسمه ، حتى لاقى من بعض القراء الطيبين الاشادة والتصفيق ، والمديح والثناء ، فلم يهدأ ، وانما نسى أن ما يفعله جرما كبير ، فأستمر على منواله ، يأخذ من عصارة افكار الاخرين ، وينصبها لنفسه ، حتى توسعت دائرة معجبينه وشملت كل الاقطار العربية والاسلاميه .

لم يكن محترفا في السرقه ، كونه نسي أن السرقه عند اللصوص فن كبقية الفنون ، تحتاج الى التخطيط ، والتروي ، والذكاء ، فكان يأخذ كل ما يعجبه من المقالات دون تحريفا او تغيير ، لربما أعتقد ان ليس بين القراء من يشكون ، ويقارنون ، ويبحثون ، حتى تمادى في فعتله ، وتجبر وطغى ، متوهما انه فاق الرجال رجولة ، والعقلاء عقلا .

هو لا يعتبر نفسه سارقا ، فالسرقة عنده " أخذ الأموال على خفية وستر " فهنا يرى كاتبنا أن السرقة تختص بالاموال فقط ، ولا تتعدى الى النصوص الادبية ، فهي عنده توارد خواطر ، والمشكلة انه يسرق ويأخذ نصوص الاخرين حرفيا ، ثم يعتقد عن نفسه أنه لم يسرق ..!

يتحدث الكاتب والشاعر سامر هشام سكيك ،والمؤسس لموقع مجلة أقلام ثقافية ، عن تعرضه لكثير من السرقات ، تارة باسماء مستعارة ، وتارة اخرى بأسماء حقيقيه ، في مقاله الذي يحمل عنوان ( السرقات الادبية والملكية الفكرية ) يقول : " بإمكاننا أن نعزي هذه الجريمة الى خلل نفسي ، في ذات السارق ، والذي عادة ما يشعر بالضمور والانزواء ، والتهميش ، وليس لدية ثقة بما يمكن أن يخطه يراعه على وجه الورق ، فيلجأ لى السطو والسرقة " ثم ينسبها لنفسه ، وهذه عادة اللصوص ، فهم لا يتقنون ان يبركزوا الا على أكتاف الاخرين

فليس من المعقول ان يكون هناك فرق بين لص الماديات وبين لص الكلمات ، فالمادة قد تعوض اذا تم سرقتها ، ونهبها ، ولكن النصوص الادبية ، وعصارات الافكار يستحال ان تعوض ، كونها أتت كما هي ، فإن نهبت ذهبت .

أذكر ان أحد منتسبي المنتديات التي اشترك بها ، أرسل لي رسالة يقول فيها ، انه لم يسرق ، وان كل ما ينشرها تعود لقلمه ، مع العلم ان النصوص التي يدعي انها تعود اليها نصوص منثورة في الشبكات العنكبوتيه بأسماء أصحابها ، وأكثر من موقع يجدها القاريء ، ومع هذا لا زال مصرا على انه لا يسرق ولم يسرق ...!

وفي حادثة أخرى ، إنتسبت الى احد المنتديات العربية قبل اربعه سنوات من الان ، واثناء تصفحي وجدت أحدى مقالاتي منشوره في المنتدى ، وان العضو الذي نقلها لم يبين ان المقال منقول ، وانما إدعى ان المقال يعود له ، فهو كان يبحث عن الاضواء كما قلنا سابقا ، عندها حاولت ان اتمالك نفسي ، وفعلا تمالكت عن نفسي ، وخطيت له رسالة ابين فيها ان المقال يعود لي ، لهذا لا يحق له ان يدعي ما ليس له ، هنا لم يحاول ان يرد ابدا ، وانما اختفى ولم يعد .

في عالمنا المتصارع تجد ان السرقة الادبية ليست حكرا على مرتادي المنتديات والمواقع الالكترونيه ، اكانت اخباريه ، او اجتماعية ، تثقيفيه اسريه ، وانما تعدت الى بعض المؤلفين الكبار ، فنجد احدهم يستخدم عملية النسخ ولصق ، وتجميع الحكم والعبارات والقصص الادبيه القديمة ، ثم يرتبها في كتاب ، وينسقها ، ويجملها ، ويضع لها اسما جذابا ، وغلافا لماعا ، ثم يدعي أنه مؤلف ،او كاتبا لا يشق له غبار .

يقول الاستاذ الصحفي في جريدة المدينة عبدالله الجميلي في مقاله الرائع الذي يحمل عنوان : ( لم يسرق ) : " أصدر قبل سنوات كتاباً، وما أن نظرت في تفاصيله أعْـينُ المثقفين حتى أدركتالتشابه الكبير بينه وبين ( كتاب فقه السنة للعَـالِم الكبير السيّد سابقرحمه الله ) ، ويومها تمّ سحب ذلك الإصدار من الأسواق، وبعد زَمَـن أعيدإصداره ولكن بمسمى جديد ، وبمقدمة تَـنُص على الإفادة فيه من كتاب ( السيدسابق ، وكتاب آخَـر ) ، مع أن المتابعين وجدوا أن التشابه بين مفرداتالكتابين كبيرٌ جداً ، ولكن قالوا : لعل ذلك توارد خواطر ، وتأثر بالأسلوبأو لكونه موجها للعامة " .

فمسألة سرقة النصوص إنتشرت في عالمنا العربي ، حتى كاد أحدنا يخاف ان يتكلم كي لا تسرق أحرفه ، وكلماته ، وعباراته ، وأفكاره ، ومبادئه ، وتوجهاته ، حتى ميوله واحلامه ، وهذا لعمري انحدار إخلاقي ما بعده إنحدار .

والمشكلة العويصة ان هناك من يدافع أصحاب تلك الافعال ، بل ويجزم احدهم ان كل تلك الافعال لا تسمى سرقة ، فالسرقة بعيدة عنها ، وان من يفعل ذلك لا يسرق ...!



رسائل قد تصل :

البعض من الاخوان يريد أن يلقى الاهتمام ، والمديح والثناء ، وقد يحب الفخر ، لهذا تجده يبحث دائما أن يكون في دائرة الاضواء ، وليس عيبا ان يبحث احدنا الاهتمام والاشادة ، وعبارت الثناء ، ولكن العيب ان يدعي أحدنا شخصية ، لا تمت له صلة .


لهذا من أراد أن يكون محل الاهتمام فعليه اولا ان يكون صادقا مع نفسه كي يحضى الاحترام من الاخرين ، فحبل الكذب قصير كما قيل ، وان لم يكشف احدهم الان فغدا قد يكشف ويعرف ، وحينا لا ينفع الندم .

وبما أن الندم مر طعه ، أتمنى قبل ان تاتي تلك الساعه أن يراجع نفسه كل من تسول له سرقة نصوص الاخرين ويتبع الاتي :
1- يجب على من ينقل من الصحف او الكتب او حتى من بعض المواقع الادبية والاخباريه والمنتديات ان يكتب اسم صاحب المقال اوالموضوع في اسفل الموضوع ، حفاظا على ممتلكات الغير .
2- بعض المواضيع التي ينقلها أحدنا ، ليس فيها اسم صاحبها ... ان كان كذلك على الاقل نكتب في نهاية الموضوع : منقووووووووول .
3- من يمتلك موهبة كتابه الشعر والخواطر والنثر ، اعتقد انه يجب علىه ان يكتب في نهاية قصيدته ان كانت قصيده او في نهاية خاطرته ان كانت خاطرة اسمه المستعار ، هذا اذا كان لا يريد ان يعرف اسمه الحقيقي .
4- لا تعتقد انك لا تستطيع الكتابة ، فكل ما عليك هو ان تؤمن بقدراتك اولا ، وتصر على انك كاتب المستقبل ثانيا ، ثم تضع لنفسك المخطط الذي يوصلك الى هدفك ، ولا تنسى ان تغذي عقلك بكثر القراءة ، كي يكون لك مخزون لفظي فضيع .

 

 

 

 

 

 

 

 







التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل