السلام التائه

 

 

alt

 

 

بالأمس كان يلبس الثياب التي تعانق الأعقاب ، أو ما يسميه البعض دشاديش ، بالأمس كان كث اللحية ، يبدو عليه الزهد والمهابة ، أو هكذا كان يشعر الناظر .


وبالأمس كان برفقته ما هو متعارف للكل ، الجنود ، حينها كان يرفع السلاح بوجه من كان عنده أعداء ، بالأمس كان هو ورفقاء دربه يحملون السلاح باليد اليسرى ، والمصحف الشريف باليمنى ،  كأنهم يريدون ان يوصلوا لنا رسالة مفادها أنهم ورثة الأنبياء وأحفاد الفاتحين .


بالأمس كانت كل الأعين متجهه إليهم ، كان هناك من يضع عليهم كل الآمال والأحلام ،  وطبعا كان هناك من يفهم مقاصدهم لهذا يتركهم في حضرة الوقت ، ولأن الله مطلع على القلوب وما تضمره النفوس ، كانت هيئاتهم تتحدث من تلقاء نفسها مخبرة أنهم البقية الباقية من الزهاد والعباد ليلا والفاتحين ،  والمجاهدين نهارا .


بالأمس كان هناك معسكران ، معسكر أسميه اليمين ، لان أصحابه يحملون المصاحف بيمينهم والسلاح بيسارهم ، ربما يفعلون ذلك اضطرارا - على حد قولهم -  وربما لان السلاح أداة الشيطان ، أما المعسكر الآخر فبالتأكيد هو المعسكر اليسار ،  وهم كذلك نسبة إلى ان اليسار ليست كاليمين ،  وربما لأنهم يركضون وراء ما يسمى الصومال والسلام ، وإقامة دولة ، في حين أنهم مصلحيون لا أكثر .


بالأمس تنازع المعسكران ، وتقاتلا لأجل الذبيحة ، حتى إن الشيطان تبرأ منهم ومن أفعالهم غير الإنسانية ، بالأمس ذهب من ذهب ،  وشرد من شرد ،  وقتل من قتل ،  وبينهما كان السلام يتوه ويضيع أكثر ،  بل ويتضاءل أكثر فأكثر .


بالأمس كنت متابعاً ، ومتألماً للوضع الأليم ، واليوم أصبحت تائهاً أكثر ، لا أنكر أنني حينها كنت أبحث عن السلام والأمان لوطني ، ولكن كان هناك في الوطن من هو أكثر مني حاجة إلى السلام والأمان ، كونهم في فوهة النار .


كنت متابعاً للأحداث ، وطبعاً كنت المشاهد الوفي لتلك الجثث والجرحى ، حتى أن الصومال أصبحت مرتبطة بالعنف ، فإذا أراد إنسان ان يضع تعريفاً للعنف يقول ببساطة : الصومال .


تسارع الوقت ، إلى أن أتى ذلك اليوم الذي يحمل فيه زعيم المعسكري اليساري أمتعته بعد أن اقتنع أنه بالفعل كان أداة من أدوات الشيطان .

في حين أن زعيم المعسكر اليمين ظل في مكانه باحثاً عن أبرياء جدد ليغتال فيهم الابتسامة ، وليصبح السلام والأمان مجرد حلم يحلم به كل من ينتمي إلى ذلك البلد الحزين .


أبشركم بأنه لم يحدث تغير في الساحة وإنما حدث انقلاب بالموازين أو بالأحرى حدث تغير بالأدوار فقط ، بالأمس كان زعيماً يلبس الثوب الطويل الأبيض ،  ويضع في رأسه الفارغ من العقل عمامته ،  واليوم لا يزال زعيماً ولكن لوطن الأشباح فقط .


أما رفقاء دربه فأصبحوا أعداء له ،  وأصبح هو مطلوباً عندهم ،  وبالعكس هم أيضاً عنده مطلوبين ، حتى ان السلام والوئام لم يحدث له تغير جذري .

فها هو مرتكز في المنتصف بين المعسكرين يبحث عن من يهدئه ويرحب به كحل جذري ونهائي لكل المعانات لأهل تلك البلاد التي تحتضن العنف وترعاها .


والى أن يجد الوئام والتسامح بين الإخوة مكاناً يبقى ويظل السلام تائهاً في بلادي ، وتبقى صرخات الأطفال تحدث أصداءً في الجهات والأجواء .

 

 

 

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل