صرخة استنكار

 

 

alt

 

في ذلك اليوم كنا ندرس موضوع ( الحكم وشروط الحاكم ) في الكلية ، وبعد أن تلذذ الدكتور باستحضار كل الآيات ألقرانيه والأحاديث النبوية التي تؤيد موضوعه بتعمد قاطعته :
- دكتور ،  إذا كان الحاكم ظالما ، متجبرا ،  هل يحق لنا أن نخلعه ..؟


ساد الصمت في القاعة ، ولأن الدكتور لم يستوعب سؤالي ، أو ربما سؤالي كان في غير أوانه بدأ الدكتور يدور في القاعة كأنه يلملم أوراقه المبعثرة بسبب عاصفة سؤالي الفجائي .


لا زال الصمت سيد القاعة ، بدأت الأعين تحاصرني ، وكان من بينها أعين ترسل إشارات عدم الرضى ، وأعين تخبرني بأن سؤالي نال رضاهم ، ما زلت أحتمي خلف جدار الصمت ، وأنتظر جواب الدكتور الشافي ، الا أنه لم يته في صمته ، وبدأ يجاوب قائلا:
- يحق لنا أن نخلعه ، ولكن بشروط ...؟
- ماهي تلك الشروط ..؟
- لا تستعجل يا أبني عمر، انتظر أكمل حديثي ، ولا تقاطعني فتشتت تفكيري .
- نعم دكتور .. أنا أسف .. هذا ما تفوهت به .

بعد تنهدٍ واصل الدكتور كلامه قائلا :
- نعم ، يحق لك أن تخلع الحاكم ، وطبعا ليس كل إنسان يحق له ذلك ، وإنما الخلع يأتي من علماء الدين ووجهاء القوم ، وبعد أتفاق بينهم ، وإذا كان الخلع سيؤدي إلى فوضى عارمة يستحسن أن يبقى ذلك الحاكم في سدة حكمة .


- ماذا يا دكتور ، إذا كان الخلع سيؤدي إلى فوضى ، من الذي له علم الغيب بحيث يخبرنا ذلك ،  وهل سنبقى على الظلم إلا أن تأتيه ألمنيه ، ومن الذي يؤكد لنا حدوث تلك الفوضى ،  ومن الذي يضع ضمانات للمستقبل ....؟


علم الدكتور أن أسئلتي كانت خطيرة ، ومقنعه ، لهذا اعتذر بالوقت ،  وان وقت المحاضرة انتهى ،  وإننا لابد أن نتم الموضوع وننهيه .


بتلك الطريقة خرج الدكتور من مستنقع الإحراج ، حينها اقتنعت بأننا نتلقى في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا أفكار تطول عمر جلوس الطغاة على كراسيهم بحجة أراء واعتقادات لديهم قالوا أنها من الدين ومن الشرع والشارع .


انتهت تلك المحاضرة في ذلك اليوم ، وبعد أيام أراد الدكتور أن يكمل ما بدأه من مواضيع متشعبة ، وبعد أن حمد المولى بما يليق به ابتدأ الدرس بمكان الذي توقف عليه في المرة المقبلة ، ونحن ننصت بجشع ٍ وننهل علمه بطمع .


الا أن قاطعته بسؤال :
دكتور لو سمحت ممكن أسأل :
- تفضل يا عمر ....!
- شكرا دكتور ، ولكن ،  الكل يعلم أن أغلب الدول العربية الحكم فيها حكما دكتاتوريا ، بحيث الحاكم يكمم الأفواه ، حتى ظلوا الحكام على سدة الحكم لأعوام طوال ، مع العلم أن فترات حكمهم يطغى فيها الظلم والاستبداد والفقر.

دكتور ، أنت تحمل شهادة الدكتوراه ، وعلى حسب اعتقادي أن الدكتور يدرج إلى قائمة العلماء ، أين هم أؤلئك العلماء من كل تلك الإحداث ...؟
- ولماذا لا يتقنون إلا النصح والإرشاد للعامة فقط ، ولا نراهم ( إلا من رحم ربي ) ينصحون الحاكم ويترددون في محل إقامته لأجل النصح والإرشاد ...؟


هنا سكت الدكتور طويلا ، أحسست من ملامحه ، ومن أنفاسه المتقطعة أنه أقتنع بسؤالي ، إلا أن إحساس خانني ، فبدأ الدكتور يراوغ ويخرج من الموضوع كله ، والشرر يتطاير من عينيه ، والعرق بتصبب منه .


أجوبته لم تكن مقنعه ، كل ما كان يفعل هو أنه يتستر على أفعال الحكام ، مثله مثل من هدد وخوف ، وكثيرا ما سمعت من زملائي ان هناك من يراقب المتدينين أو المطاوعة كما يحلو للبعض أن يسميهم ، وربما لم يجاوب الدكتور بجواب مقنع كون الشك تسلل فيه ، وربما أعتقد أنني أسأل تلك الاسئله ليس لأتعلم وإنما خوفا من أن أورطه بشيء ما .


حين قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وهو يريد مكة, أرسل الى عالمها الجليل أبي حازم فلما دخل عليه قال سليمان : يا أبا حازم, ما لنا نكره الموت؟
فقال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم, فكرهتم أن تنقلوا من العمران الى الخراب.
فقال سليمان: كيف القدوم على الله؟.
قال: يا أمير المؤمنين, أما المحسن كالغائب يقدم على أهله, وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
فبكى سليمان وقال: ليت شعري, ما لي عند الله؟.
قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله حيث قال:{ إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم}.
قال سليمان: فأين رحمة الله؟.
قال: قريب من المحسنين.
قال: يا أبا حازم أي عباد الله أكرم؟.
فقال: أهل البر والتقوى.
قال: فأي الأعمال أفضل؟.
فقال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم.
قال: أي الكلام أسمع؟.
فقال: قول الحق عند من تخاف وترجو.
قال: فأي المؤمنين أخسر؟.
فقال: رجل خطأ في هوى أخيه وهو ظالم, فباع آخرته بدنياه.
قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟.
فقال: أو تعفيني؟.
قال: لا بد, فإنها نصيحة تلقيها إلي.
فقال: أن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة المسلمين ولا رضا منهم, حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا فلا شعرت بما قالوا وما قيل لهم.
فقال رجل من جلسائه: بئسما قلت.
قال أبو حازم: أن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
فقال سليمان: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس؟.
قال: تدع الصلف وتستمسك بالعروة وتقسم بالسويّة.
قال: كيف المأخذ به؟.
قال: أن تأخذ المال في حقه وتضعه في أهله.
قال: يا أبا حازم ارفعاليّ حوائجك؟.
قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة؟.
قال:ليس ذلك اليّ.
قال: فلا حاجة لي غيرها.
ثم قام فأرسل اليه بمائة دينار فردها اليه ولم يقبلها.


طبعا هناك مقولة رائعة قالها الإمام الجليل أبو حازم للخليفة سليمان بن عبد الملك بعد ان عاتبه أحد جلساء الملك خوفا من السيف ، قال : " ان الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه " .


لإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم، وهذا العلم يتحتم عليهم أن يقولوا كلمة الحق ولو على السلطان الجائر ، فتلك مهمتهم ، ولأجل ذلك رفعهم الله درجات ، قال تعالى : { يَرْفَعُ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والذِينَ أُوتوا العِلْمَ دَرجاتٍ} (سورة المجادلة : 11) فهم الوارثون لما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه القائل:" بلِّغوا عني ولو آية " رواه البخاري.


ولانهم الوراثة لا تستقيم الا أن يفعلوا ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الدعوة الى الله جل شأنه ، وهذا ما كان متعارف عليه قديما ، دعونا نبحر بسفينة التاريخ قليلا لننظر أفعال علماء ذلك الزمن الغابر :
ان هشام بن عبد الملك قدم حاجا الى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة.
فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا.
فقال: من التابعين.
فأتي بطاووس اليماني العالم الجليل رحمه الله.
فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين.
ولكن قال: السلام عليك يا هشام. ولم يكنه وجلس بإزائه.
وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا حتى همّ بقتله.
فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله, ولا يمكنك ذلك.
فقال: يا طاووس, ما الذي حملك على ما صنعت؟.
قال: وما الذي صنعت.
قال هشام: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبّل يدي ولم تسلم بإمرة المؤمنين ( أي لم يقل الطاووس : يا أمير المؤمنين ) ولم تكنني وجلست بازائي دون إذني وقلت كيف أنت يا هشام؟!.
فقال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فاني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب عليّ, وأما قولك لم تقبّل يدي فاني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا يحلّ لرجل أن يقبّل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة.


وأما قولك لم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك, فكرهت أن أكذب, وأما قولك لم تكنني فان الله سمّى أنبياءه وأولياءه فقال يا داود ويا يحيى ويا عيسى, وكنّى أعداءه فقال تبّت يدا أبي لهب وتب. وأما قولك جلست بازائي فاني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام.


فقال هشام: عظني.
قال: سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول: إن في جهنّم حيّات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيّته. ثم قام وخرج.

كان هذا في ألازمنه الغابرة ، ألازمنه التي يحلوا لبعضهم أن يسميها : عصور الملكية والاستبداد ، وينسى إننا في عصور الجبابرة والطغاة .


عصور يقولون عنها أنها : عصر الديمقراطية ، وتداول الحكم ، أي تداول للحكم ، وحكامنا أقل مدة لأحدهم أكثر من عشرين سنة ، ومع هذا لا زالوا يرددون كل ساعة في نشرات الأخبار بالوحدة والديمقراطية وتداول الحكم .


في حين علماء الإسلام ( إلا من رحم ربي ) الكرام لا زالوا يلقون الخطب من على منابر المساجد ، ويدرسون في حلقات الذكر بكيفية الوضوء ، والنجاسات ، وطاعة ولي الأمر .


ولا أدري نظرة الإسلام لذلك الحاكم الذي جوع رعاياه ، وجعل فيهم المرض والفقر السمة التي تميزهم عن بقية الشعوب ، ولا أدري أي بيعة علينا بعد أن جاع فينا الصغير قبل الكبير ، وكيف لنا أن نطيعهم ...؟


في هذه الأيام الكل يعلم ثورة تونس على ذلك الطاغية ، إلا أن هذا الأمر لا يدهشني بقدر ما تدهشني صرخات علمائنا التي طغت فضائياتنا وصحفنا الصفراء .


والتهاني والتبريكات التي صدرت من علمائنا الكرام ، فهاهو العالم الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي يصدر تهنئة ويقول : ( نهنئ لتونس بإسقاط الطاغية )
هنا يلح علي ذلك السؤال :
كان زين العابدين حاكما لتلك البلاد أكثر من 23 سنة ....فجوع .. وقتل .. ونهب ... ووضع الرقيب على حياة الناس ... فلماذ لم نرى صرخات استنكار من علمائنا ....؟
وهاهو الكاتب والمفكر الإسلامي الدكتور على الحماد ينشر مقالا في موقع الإخوان المسلمون عنوانه : ( الآن فهمت ) .


طبعا عنوان موضوعه استنكاري ، فكأن الطغاة عندما يسقطون يقولون تلك العبارة كما قالها طاغية التاريخ : (فرعون مصر ) : ( ألان فهمت ) ..


أين كان مثل هذا المقال من قبل ...؟
أما علماء الأزهر ، مع احترامي الشديد لهم ، إلا أنني أراهم ( ألان ) ينشرون فتوى مفادها : ( خلع الرئيس التونسي جائز شرعا ) .


هنا أتسأل :
ألم يكن قبل خلعه جائزا حتى يقولوا انه : ( جائز ) ألان ؟ أليس الرئيس محمد حسني مبارك طاغية بمعنى الكلمة ...؟ وما هو تعريف الطاغي بالنسبة لهم ....؟


والأغرب من هذا كله هو ذلك المقال الذي يحمل عنوان ( عشرة عبر وفوائد من سقوط أول طاغية العرب ) الذي نشره الشيخ حامد علي في موقع أنا مسلم ، يفتتح الشيخ مقاله واصفا بالرئيس المخلوع : شين الفاجرين ...!
لماذا نرى الرجل ألان فجأة ( شين الفاجرين ) ...؟


الم يكن بن علي قبل سويعات الرجل الأول في تلك البلاد ... ؟ وألم تكن كل الأدعية تصب في خانته ....؟
اللهم وفقه ... اللهم ثبته ... اللهم قويه ؟ أم أن تلك الأدعية ،  أو دعوانا تكون لحظيه حسب المكان والزمان ...؟


طبعا عندما أثورواصرخ ، لابد أن يكون في الجهة الأخرى من يعترضني ، ويخالفني الرأي ، هذه سنة الحياة ، ولم أكتب هذا المقال لكي أرضي ميول القراء ، وإنما هي مجرد أفكار لا زلت أسيرا لها .

 

 

دمتم سالمين .






 

 

 





التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل