كبرياء امرأة

 

 

 

 

alt

 




كل صباحٍ أقوم فأتحسس جسدي، هل لا زلت على قيد الحياة، سؤال طالما تكرر كل يوم، وبنفس الرتابة، أتنفس ببطء شديد، وأظل على فراشي دقائق لعلي أفيق ذهنيا، فأنظر حولي بعد استجماع قوتي البدنية والعقلية.

أقوم متثاقلة، ورجلاي لا تكاد تحملني، أدخل المطبخ باحثة عن شيء يسد رمقي، فليس هناك مطبخ بمعنى المعروف، هي غرفة مربعة الشكل، صغيرة الحجم، لا تتسع إلا لشيئين أو ثلاثة، أضع فيها موقدي وبعض الأواني .

لا أجد فيها إلا رغيفا جافا قد تبقى من عشائي بالأمس، وبسرعة خاطفة أمضغ ذلك الرغيف بكوب من الشاي، وببعض رشفات من الماء .

أحمل ذلك الكيس، أحمله فوق رأسي وأحمل معه أمل يتلاشى يوما بعد يوم، مبتدئة مشوار يومي المرير، ذلك الكيس فيه ثياب الأطفال والنساء، فأنا أحمله وأدور به حارات تلك المدينة التي أسكنها، فأدخل أغلب البيوت محاولة بيع ما تيسر لي من بضاعتي .

أثناء عبور الأرصفة والاجتياز من طريق إلى طريق تحاصرني الأعين، وتحدق بي، فليس في البلد الذي أعيش فيه امرأة تفعل ما نفعله، فنساء هذا البلد لا يبيعون وليس عليهن إعالة أنفسهن .

أشعر بأنني مسجونة، محكومة بألاعمال الشاقة، وكثيرا ما تتملكني الوحشة، وتقتلني الكآبة، أتخبط دوما كمعتوهة، باحثة عن ذاتي رغم أني أنتمي إلى وطن يبحث عن ذاته .

أتجاهل كل تلك الأمور، محاولة ترميم ما تبقى لي من الكبرياء، وتضميد فؤاد مجروح، ناهيك عن أشعة الشمس الحارقة، وملاسنات، وتحرشات من قبل رجال لا يخافون الله .

فأدخل أحد البيوت، والتعب هدني، فأفضل تلك البيوت التي أدخلها لأجد فيها ماء يبلل حلقي، وأكثرها أجد فيها من يسيء لموطني، أو يبعثر بضاعتي، ويقلب أشيائي، ويتركها مرمية في كل حدب وصوب، وربما أعابها، وقلل من جودتها وقيمتها، وفي الأخير لا يشتري، وإنما يهديني بعبارة : “ مشكورة ما نريد نشتري ” .

فأخرج من بيت إلى بيت، حتى تغرب الشمس، وأعود إلى عشي دون رفيقٍ يواسيني، أو معيلٍ يتكفل بمتطلبات حياتي، ورجال موطني يتصارعون على بقايا أطلال، فذلك الوطن لم يعد وطنا كما عهدناه، وإنما رائحة الغباء والموت تكتم الأنفاس .

أما من كان معي في غربتي فأفضل ما يفكرون فيه كيف يستطيعون أن يسلبوا مني شقاء يومي، فكثيرا ما يتردد أحدهم مكان سكني، محاولا إثارتي، مستخدما عبارات شاعريه تلهب القلب وتتركني طريحة الفراش .

صحيح . لا أنكر أنني بحاجة إلى رجل يشعرني بأنوثتي، رجل ينسيني شقاء يومي، وألم غربتي، رجل يعيد الحرارة في جسدي؛ إلا أنني لا أريد رجلا يزيد الثقل، أو يتركني ورائه بائسة، وبرفقتي أطفال هم بأمس الحاجة إلى والد يرعاهم أكثر مما أنا بحاجة إلى رجل.

ذلك حديث امرأة صومالية تبيع الثياب، متنقلة من بيت إلى بيت، تحاول أن تعيش بكرامة، دون أن تنسى أنها في النهاية امرأة كبقية النساء في العالم، تريد أن تعيش بسلامة، فتحب وتعشق، وتكره، وتتـزوج، وتنجب.

فهل أبناء ذلك البلد مستشعرون تلك المعاناة، وهل تناسوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : “ رفقا بالقوارير “ فأي رفق بعد هذا، ونساء الصومال أصبحن يصارعن المرارة في كل الجبهات .

أقسم بالله أن الكثيرات من نساء ذلك البلد أشرف من رجالٍ اعتقدوا عن أنفسهم أنهم قيادات وزعامات، فرئيس القوم هو من يبحث عن راحة قومه، وهذا ما لم نجده حتى الآن.

 

 

 

 

 



 

 



التعليقات

  1. mun علق :

    Amazing


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل